السنة وحي من الله تعالى، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها للناس كما أمره بتبليغ القرآن، وألزم بها عباده كما ألزمهم بالقرآن، فالسنة شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية والاعتبار، وإن القرآن والسنة متلازمان لا يغني أحدهما عن الآخر، وهما معاً مصدر الدين ومرجع المسلمين. ودل القرآن والسنة والإجماع والعصمة على وجوب اعتقاد مضمون السنة والعمل بمقتضاها، وأنها حجة شرعية ملزمة، لا يسع أحداً تركها، وتستحيل عبادة الله كما أمر وشرع بغير العودة إلى السنة.
يقول الإمام الشوكاني في كتاب «إرشاد الفحول»: «ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام». والإمام الشوكاني استفاد هذا الحكم مما قرأه من نصوص كتاب الله عز وجل وهي جميعها نصوص تثبت حجية السنة بشكل قاطع لا يحتاج إلى جدال، وبأساليب متنوعة تحمل على المطالعة وتورث اليقين.
شقيقة القرآن
وأساليب القرآن على اختلاف تنوعها واتحاد غاياتها، تعلمنا أن الله عز وجل أراد أن تكون السنة من مصادر التشريع، لها مكانتها في الشريعة، ولها فاعليتها في نفوس معتنقيها، ولها هيبتها في ميدان التسابق بين المذاهب والشرائع. والقرآن الكريم حين تحدث عن حجية السنة نوع الخطاب تنويعاً شيقاً.
ويذكر ابن حزم في كتاب «الأحكام» أن السنة المطهرة شقيقة القرآن، ومثيلته في الحجية والاعتبار، فهما صدر الدين وأساسه المتين، كلاهما وحي من عند الله تعالى؛ حيث تظاهرت به الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر سلف الأمة.
ومن السنة ما جاء مؤكداً لأحكام دل عليها القرآن الكريم، ومنها ما جاء مبيناً للقرآن: تفصيلاً لمجمله، وتوضيحاً لمشكله، وتخصيصاً لعامه، وتقييداً لمطلقه، وتبيينا لمبهمه، ورداً لما تشابه منه إلى محكمه. ومنها ما جاء بتشريعات مستقلة لم ينص عليها القرآن، وهذا قسم واسع تناول كثيراً من أصول الدين وفروعه.
حجة شرعية
والسنة جميعها حجة شرعية، يستوى في ذلك المتواتر منها والآحاد، مادامت ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ العبرة في ذلك بثقة النقل وليس بكثرة العدد. كما أن مجال الاحتجاج بالسنة يشمل مسائل العقيدة وفروع الشريعة من عبادات ومعاملات.
ومسألة حجية السنة من أصول الدين وأسس الاعتقاد، وليست من الفروع والجزئيات، وهي مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن خالف فيها بعد تبين أدلتها فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وخالف في أصل من الإسلام يخرج منكره من الملة.
على هذه الجمل الثابتة في شأن السنة أجمعت الأمة، وكان ذلك عند السلف ومن سار على نهجهم من قطعيات الدين ومسلماته، لم يخالف في ذلك إلا زنديق أو متهم في دينه.
وقد حاول أعداء الإسلام أن يشوهوا هذه الحقيقة العظمى، ليفتنوا المسلمين عن دينهم، ويصدوهم عن سبيله القويم، ولكن الله حفظ دينه، ورد كيد الأعداء في نحورهم فكانوا كالذي يصرخ في واد أو ينفخ في رماد، وما كان زيفهم لينطلي على مؤمن معتز بدينه، عارف بأسس معتقده، آخذ بأسباب الحصانة الإيمانية والعلمية اللازمة لرد شبهات الأعداء ودحضها، قال تعالى: «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون».
جهل.. وشبهات
وفي عصرنا الحاضر شاع الجهل بالدين، واختلطت الأمور على كثير من المنتسبين للإسلام، الذين لا يملكون من قوة الإيمان ونور العلم ما يدفعون به تلك الشبهات وظلماتها فوجب البيان لهم، ومساعدتهم على تصحيح معتقداتهم، وتسليحهم بالحجج والبراهين التي تمكنهم بإذن الله تعالى من الثبات في هذا المعترك الفكري الخطير الذي يجتاح الأمة، وهذه مسؤولية عامة سوف يسأل عنها بين يدى الله تعالى كل مقصر في شأنها.
ويؤكد عبد المتعال محمد الجبري في كتاب «حجية السنة» أن حجية السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، لتظاهر الأدلة على ذلك، وهي مرتبطة ارتباطاً مباشراً بأصول العقيدة، فإنها الترجمة الحقيقية للإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإنه لم يقع نزاع حولها بين المسلمين قاطبة ممن يعتد به في الخلاف والوفاق، وهي مسألة أعظم وأجل من أن يتنازع عليها أو يختلف حولها؛ بل إنها لم تكن مجال بحث ودرس باعتبارها من قطعيات الدين ومسلماته الأساسية وبديهياته الأولى، ولهذا فإن المصنفين لم يجعلوا من أغراضهم أن يتناولوها بالتقرير والبيان والاستدلال.
إجماع الأمة
وقال السعد التفتازاني: «فإن قلت فما بالهم يجعلون من مسائل الأصول إثبات الإجماع والقياس ولا يجعلون منها إثبات الكتاب والسنة كذلك؟ قلت: لأن المقصود بالنظر في هذا الفن هي الكسبيات المفتقرة إلى الدليل، وكون الكتاب والسنة حجة بمنزلة البديهي، لتقرره في الكلام وشهرته بين الأنام، بخلاف الإجماع والقياس»، ونص أهل العلم على أنها ضرورة دينية.
وقد قرر هذه المسالة المؤلفون في أصول الفقه من أمثال ابن حزم والباجي والغزالي والآمدي والبزدوي وغيرهم، ونصوا على إجماع أمة الإسلام عليها، ولم يذكروا في كتبهم تصريحاً ولا تلميحاً وجود خلاف في حجية السنة، وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات المعتبرة والشاذة، واعتنوا بالرد عليها.
0 تعليق
اتبع التعليمات لاضافة تعليق